10‏/03‏/2015

الدولة




الدولة ببساطة هي تجمع بشري في بقعة جغرافية يحكمها نظام أيا كان الشكل ! , النظام المفروض في كل دولة يحفظ الكيان ككل فليس لأحد الحق بتغييره أو إلغائه إلى بالقوة سواء كانت القوة ذات طابع ( عنيف ) كالقوة العسكرية وما أشبه أو قوة ( ناعمة ) كصناديق الاقتراع والاستفتاءات وما شاكل . 

الدولة بعد وضع نظامها تحكمها مجموعة من القيادات هدفها الرئيسي الحفاظ على من فيها من شعب ومقدرات وثروات من أيّ خطر كان , وهذا النظام يتشكل بحسب ما يناسب طبيعة البشر فيها أو بحسب ما يفرض عليهم , المهم أنه نظام يحكم وله عنوان سواء كان بالتوصيف العام نظام الرجل الواحد ( دكتاتوري ) أو نظام الشعب يحكم الشعب ( ديموقراطي ) كذا الحال مع توصيفه الإقتصادي ( رأسمالي - اشتراكي ) أو ما بينهما ولا نغفل التوصيف الديني ( اسلامي - مسيحي - يهودي ) وغيرها .  

بالمحصلة الدولة ذات نظام له عنوان عام يحكم البشر , بما تقدم نجد أن أساليب الدول في الدفاع عن نفسها تختلف بإختلاف إداراتها و أغلب الدول تلجأ الى أقدم حيلة عرفها التاريخ بالدفاع عن نفسها وهي الاستنجاد والانطواء تحت الأقوى منها دون تكلف عناء تقوية نفسها بشتى المجالات حتى ( تحترم ) كدولة . 

الإستغراق بوضع الشواهد يشتت القارئ وان كان يدعم الفكرة لكننا نريد أن نضع فكرة كليّة قابلة للإنطباق على أقطار شتى ولا يمنع ذلك من وضع مثال أو اثنين لتوضيح الفكرة لا أكثر ولا أقل , لنأخذ أمريكا كنموذج وبشكل عام دون الخوض بتفاصيل تاريخية هي دولة كوّنت حضارة لغتها هي اللغة الأولى عالميا في التعاملات الدولية وعملتها كذلك فضلا عن التكنولوجيا التي تطورها وتصدرها بشكل لحظي . 

هذه الدولة جعلت لنفسها نظام عام وأيّ فرد من أفرادها يحاول اختراق هذا النظام ( تتم تصفيته ) بشكل فوري , نعم مفهوم التصفية يختلف بحسب الظروف والإمكانيات والقوانين , ربما تكون التصفية جسدية أو قانونية أو إعلامية أيّا كان شكلها فهناك مصلحة عامة وهي النظام العام الذي وجب أن لا يمس للحفاظ على مقدرات وثروات الدولة كدولة . 

هذا المثال المراد منه استيعاب مفهوم حق الدولة في الدفاع عن نفسها حتى تكون قوية , قادرة , مستقلة بإدارة شؤونها وهذا يؤدي الى فهم أغلب النقاشات الدائرة حول ( تعامل ) الدول مع شعبها في أيّ قضية رأي عام فالرأي العام يتشكل من حدث معيّن يمس وجدان او مشاعر شريحة كبيرة من الشعب ويؤدي الى الإختلاف حولها , الفيصل هي الدولة المتمثلة بقيادتها ( الحكيمة أو الحمقاء ) لا يهم المهم انها هي الفيصل ! 

تجري نقاشات كثيرة في الوسط الشيعي عن الجمهورية الإسلامية الايرانية , وأنها دولة وصفها ديني - شيعي -  فيجب أن تعمل على هذا التوصيف ولا تحيد عنه والحاصل أنها إبتعدت عما تدّعيه و ضربت بالمبادئ الواجب الالتزام بها عرض الجدار في كثير من القضايا , هذه النقاشات تؤدي الى حالة من التشنج إن لم تفهم منطلقات الدولة في حق الدفاع عن نفسها ( بأيّ وسيلة كانت ) . 

الاختلاف دائما وأبدا يكون بأيّ وسيلة فصلت الدولة نزاعاتها مع شعبها أو غيرها من الدول لهذا وجدت السياسة وهي ببساطة فن التعامل مع الغير بأيّ وسيلة ممكنة ( فن الممكن ) , لهذا من يملك فن الممكن أول طريقة للتعامل معه هي ابعاد التوصيف العام الذي يلبسه مع أنه يحاول الحفاظ عليه للحفاظ على الدولة لكن لفهم الأمور بموضوعية وجب إبعاد العنوان العام ( دولة دينية , دولة مدنية , دولة رأسمالية , اشتراكية ... إلخ ) والتطرق للأحداث كما هي ودراسة مدى انطباقها مع المبادئ التي وضعها الشارع المقدس كونه الفيصل . 

بعد فهم هذه النقطة سترى الأمور بشكل أوضح وأشمل وبأفق واسع يمكنك من فهم العالم , لكن .. تطورت وسائل الدول بالدفاع عن نفسها بتطور الوسائل المتاحة وجرت أبحاث ونظريات للوصول الى أفضل الطرق الممكنة لحل النزاعات لكنها ما إن تفشل تعود للمبدأ الحيواني ( القوي يأكل الضعيف ) المتمثل بسلب الإنسان حياته , أمنه , قوته ! 

نعم يرد السؤال الأهم وهو من على حق ومن على باطل ؟ من يمثل الخير ومن يمثل الشر ؟ وهو مبدأ بسيط كبساطة حق الإنسان في الدفاع عن نفسه ! هذا أكبر سؤال يواجه كل إنسان في هذه المعمورة أين الحق ؟ أين الباطل ؟ أين الخير ؟ أين الشر ؟ 

للإجابة عن الأسئلة السالفة يجب أن تعرف من أنت ؟ أين أنت ؟ من أين جئت ؟ إلى أين ستذهب ؟ ليس المراد تشتيتك والإجابة عن أسئلتك بأسئلة أخرى بل المراد أن تعرف نفسك وتضع لها مبادئ وقيم تجعل منك قادرا على تشخيص الحق والباطل والخير والشر , صعب ؟! نعم أنه صعب وما وجدت في هذه الدنيا إلا لكي تختبر الصعاب حتى تحقق النجاح . 

ما هو الحل ؟ 

أترك الإجابة لك .. وهي صيغة أخرى لعبارة ( لا أعلم ) ! 



____________________________________________________


دولة - نظام - حق الدفاع - الوسائل المتاحة - الاختلاف - الحل

( الإختلاف أفضل وسيلة لتقديم الحلول ) 

 ( المطلوب أن تفهم الأمور بكلياتها حتى تستطيع أن تشخص جزئياتها ) . 

( عندما تكون الدولة ذات قيادة حمقاء سيضيع الحق وعندما تكون ذات قيادة خبيثة تستخدم الحق لغرض الباطل ولما تكون ذات قيادة حكيمة ستجد الحق فيها وان كان نسبيا لكنه يرضي الطموحات بالنهاية نحتاج لدولة قيادتها حكيمة معصومة وهذا يتطلب انتظارا ) . 






12‏/02‏/2015

النظرة الشمولية



قيمة كل علم تكمن بتفاصيله وما الحياة سوى تفاصيل كثيرة الأعلم بها هو الأعرف بتفاصيلها وهو الأقدر على جمعها حتى يكوّن فكرة شمولية تساعده في مسيرته نحو أهدافه وطموحاته , نعم ربما لا يكون لديه أهداف وطموحات واضحة ومحددة وربما لا تكون لديه أهداف وطموحات كبيرة لكنه بالتأكيد سيستفيد من التفاصيل التي يملكها . 

هذه التفاصيل عبارة عن مواقف مرّ بها الانسان وتعامل مع أغلب معطياتها بقرارات خاطئة وتارة صائبة , المهم أنه يستمر بالحياة وكل إنسان يحمل قدرا ولو بسيطا من التفاصيل التي تجعله يتكيّف مع محيطه , وبالتالي تتكون لديه " الصورة الكبيرة " وهذه الصورة مفهوم مشكك يختلف من فكر وعقل وذهن شخص إلى آخر كما أنها مفهوم طولي ونسبي , ولن يصل أحد الى " الصورة الكبيرة " الأشمل والأكبر إلا من عصم . 

لدينا معادلة تتكون من جزئيات " تفاصيل " توصلنا إلى كليات " الصورة الكبيرة " وبينهما تطبيقات عملية يسبقها أفكار نظرية , هذه المعادلة المعقدة نستعملها يوميا وبعفوية تامة من خلال أفعالنا ونشاطاتنا ولعل باب الأمثلة إن فتح لن يغلق ! لأن مجرد الكلام عن أيّ إنسان في هذه المعمورة سيعطينا تفاصيل لم نتخيل أنها موجودة . 

دور العلماء هو الإطلاع على هذه التفاصيل بـ" دقــة " ومن ثم اخراجها بأفضل صورة لهذا أصبحوا علماء , ويلي هذه الفئة المثقفين الذين يطلعون على بعض التفاصيل ولكن بشكل يفوق الإنسان العادي " العامي " , والمعضلة التي تعاني منها البشرية في هذا العصر هي أن " العامي " صار يطّلع على كم هائل من المعلومات بثوان ! بواسطة وسائل التواصل الإجتماعي . 

وهذا أدى الى ظهور طبقة شاذة وغريبة من حيث الترتيب فالنحو المعروف هي طبقة العلماء ثم المثقفين ثم العوام , أو قل كما ورد في الرواية " الناس ثلاثة : اما عالم رباني , أو متعلم على سبيل نجاة , أو همج رعاع " هذا الترتيب أضاف عليه العصر الحديث طبقة ( الهمجي المتعالم ) ! 

من ناحية العالم الرباني هو الذي يفحص ويمحّص الأدلة ويطلّع على التفاصيل ويخرج بفكرة وقاعدة عامة يستفيد منها الأعم الأغلب من البشر - نعم قد تكون ناقصة لكنّه بذل غاية المجهود في فحص تفاصيلها حتى يخرجها لنا بهذه الصورة الشمولية - ويلي ذلك المثقف الذي يأخذ آراء العلماء من كل مكان ويكوّن على أثرها فكرة شمولية أخرى .

ويلي المثقف الهمجي الذي ينعق خلف كل ناعق ويميل مع كل ريح وهذا حال الأعم الأغلب من البشر , فهم لا يدققون ولا يمحصون ولا يكلفون أنفسهم بالبحث ومراعاة الدقة , يأخذون ما يقال لهم على أنه قرآن منزل مهما كان سخيفا وساذجا ويطبقونه في حياتهم حتى لو وصلت السذاجة بهم الى أن يطبقوا الأمر ونقيضه بآن واحد !

أما الهمجي المتعالم فهو يتطفّل عليهما - العالم والمثقف - بما لديه من معلومات هائلة متدفقة عليه يوميا ويطرح أفكاره تارة بشمولية ينافس بها العلماء والمثقفين وتارة أخرى ببساطة وسذاجة لا يعلى عليها ! وهذه الحالة حذرّت منها بعض الروايات بقولها " عمل الإنسان بغير علم حتى لو أصاب فلا ينفعه ! " . 

نعم لأنه أصاب واقعا دون الإلتفات الى تفاصيله ولم يدقق ببحثه ولم يفهم منطلقات الفكرة ولا أسسها فلما يتفق مع العالم بالنتيجة لا يعني أنه عالم , وهذه هي مصيبة العصر ! 

الكل ينظّر والكل يفهم والكل يعلم وهذا للأسف أصبح واقعا وظاهرة لا يمكن انكارها , فأيّ حدث وبأيّ مجال كان تفاصيله تنشر ويطّلع عليها المختص وغير المختص فيكون الحدث بذاته مثيرا للجدل لأنه يحمل مع إعلانه تفاصيله الحقيقية أو غير الحقيقية , وتبدأ موجه التنظير على أعلى صعيد , نعم يستتبع هذا مراعاة المزاج العام للمجتمعات وهو ما يؤثر في انتشار وانحسار أيّ حدث . 

نحن ننشد النظرة الشمولية التي تستبطن قواعد عامة يستفيد منها الجميع في حياته العملية وهذه القواعد مفقودة لدى الأعم الأغلب ومختصّة بالمختص ومن يليه , وقد ورد في الروايات أن بعضا من الأئمة عليهم السلام ودوا لو أنهم يضربوا الشباب المؤمن على أن يتعلموا ! 

وجب التنويه الى أن المعلومات الهائلة التي تردنا يوميا وهي موجهة بالفعل لتوجيه الرأي العام من خلال خلق عقل جمعي يقول ما يملى عليه ليست كالأدلة , فالمعلومة شيء والدليل شيء آخر . 

التنظير أصبح سهلا ولا يحتاج إلى إفناء العمر من أجله بل يحتاج الى وسيلة إتصال وينتشر بالمجتمع , و للأسف أيضا لا يوجد من لديه نظرة شمولية لهذه الحياة يعرضها على العوام بشكل مقنع , ولكن هذه سلبيات وعوائق وحواجز نحن نصنعها ونستطيع هدمها والكل متفق على أن هدمها يكون بــ " العلم " . 

أيّ علم ؟! نعم وصل التشكيك حتى بالعلم اللدني المعصوم ولكن هذا ليس عائقا أيضا , لأنه بنظرة واحدة لـ " الصورة الكبيرة " نجد أن هذا الدين - الإسلام - أراد من المؤمنين خمس أشياء فقط ! أن يفعلوا الواجب ويتركوا الحرام ويتحلوا بمكارم الأخلاق ويعقدوا النية و " الولاية " . 

من يعمل بهذه القواعد سيرى أن الدين شامل ويعطي الحلول تحت أيّ ظرف كان , و أختم بهذه المثال .. وجد دين وله أتباع وأوجدت نظريات وتفسيرات واجتهادات لمعرفة حقائقه ومعانيه وأهدافه وأساليبه هذا بحد ذاته يجعله حيا وقائما ويحفظ أساساته وما دون ذلك آراء قابلة للخطأ والصواب ؛ وكل ما ارتبط بالسماء سيبقى حيا لأنه صدر من مصدر الحياة . 






22‏/02‏/2013

الأحزاب ..






مقدمة :: 

يقرر علماء الاجتماع أن الانسان اجتماعي بطبعه فهو غير قادر على العيش بمفرده ولو كان كذلك لصار مريضا يحتاج الى علاج , انطلاقا من كونه اجتماعي يترتب على ذلك أنه محتاج الى الانتماء , مضافا الى كونه اجتماعي يجب ان يكون منتمي . 

عدم كون الانسان اجتماعي يعني ذلك حالة مرضيّة لكن عدم كونه منتمي لا يعد مرضا بالضرورة , بالمحصلة هناك من علماء الاجتماع من يرون أن الانسان حتى لو ادعى عدم انتمائه لأيّ جهة أو حزب فهو منتمي إلى نفسه وهذا ناشئ من قراءتهم للانسان لكونه محبا لذاته وهذه غريزة مودعة فيه . 

حب الذات هو المحرّك الرئيسي لاجتماعيّة الانسان وانتمائه , فلأنه يحب ذاته فهو يريد توفير حاجاتها الأوليّة والثانوية أما الأولية هي التي لا يستطيع العيش إلا بتلبيتها كالتنفس والجوع والعطش والجنس والغضب ويختصرها علماء النفس بقولهم ان الانسان مودعة فيه غريزتين ( غريزة جلب اللذة و غريزة دفع الألم ) أما غريزة جلب اللذة فهي العاملة على جلب كل منفعة للانسان وغريزة دفع الألم عاملة على دفع كل ضرر يلحق به .

والحاجات الثانوية عبارة عن حاجات يمكن العيش دون تلبيتها لكن لا يمكن أن يتحقق العامل الاجتماعي دونها , أيّ ان الانسان لا يستطيع ان يكون اجتماعيا إلا بها كالقيادة والشهرة والمكانة الاجتماعيّة , عموما وجب على الانسان أن يلبي حاجاته الأساسيّة لكي يعيش وحاجاته الثانوية لكي يحقق حياة اجتماعيّة هادفة أو غير هادفة المهم أن يحقق حياة اجتماعيّة ! 

وتجدر الاشارة الى أن علماء الاجتماع يلخصون ما سبق بنظريّة ( امتداد الوجود ) بقولهم : بما أن الانسان يحب ذاته فهو يحب بقاؤها بشكل دائم فيلجأ الى المجتمع حتى يخلّد ذكراه ولو بعد موته ومرحلة تخليد الذكرى تتم عن طريق تلبية حاجاته وحاجات الآخرين الأوليّة والثانوية أي منذ بداية حياته إلى لحظات الشعور بالفناء هو في حركة تعزز حبّه لذاته . 

معنى الأحزاب :: 

بعد هذه المقدمة نقول أن الحزبيّة أمر لا بد منه لأيّ انسان فالحزبية أو الحزب ببساطة هو عبارة عن مجموعة من الأفراد وضعت لها أهداف وغايات تسعى لتحقيقها بالوسائل الواقعيّة المتاحة , أو قل هي مجموعة من الأفراد إلتفت حول مبادئ وقيم ووضعت خطط لترسيخ هذه المبادئ وتحقيقها على أرض الواقع . 

ان الحزبيّة أمر مشروع و ( لا بد منه ) اجتماعيا كما أسلفنا وأيضا دينيا , فالاسلام لم يلغ الحزبيّة بل عززها بقوله تعالى ( ألا ان حزب الله هم المفلحون ) المجادلة / 22 ولست في مقام تفسير ( حزب الله ) الواردة في الآية لكن بأقل تدبر تجد أن هناك ( حزب للشيطان ) ويأتي في قباله حزب لله تعالى . 

أن تكون من حزب الله يعني أن تلتزم بكل ما أتى به الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام البرره , فلا يمكن أن تكون من حزب الله إلا بموالاتهم والانقياد لهم وبالبراءة من عدوهم ( حزب الشيطان ) . 

الحزبية في واقعنا المعاصر :: 

وجب ألا نغفل محاولات تقمّص دور ( حزب الله ) فــ ( كل حزب بما لديهم فرحون ) الروم / 32 وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذلك , كما وجب التنويه أن ليس كل من قال أنا من حزب الله فهو كذلك , انما المسألة معايير وشروط وجب الالتزام بها وإلا فلا . 

ان الحزبيّة في واقعنا المعاصر عبارة عن حزبيّة سياسيّة في الأعم الأغلب منتحلة الدين ذريعة لتحقيق غاياتها أو قل ان الاحزاب مبادؤها دينية ووسائلها سياسيّة , وأقصد الوسائل السياسية المصلحيّة لا المبدئية ويمكن مراجعة الفرق في مقال سابق ( لهذا لا أتكلم بالسياسة ) . 

أكاد أن أجزم أن كل الأحزاب الدينية تعمل وفق المصلحة لا المبدأ , بل إني أجزم أن الأحزاب الدينية بالكويت كلها مصلحيّة لا مبدئية فهي تجعل من المبدأ شعار والمصلحة هي الوسيلة فمبدأ الغاية تبرر الوسيلة هو العنوان العام الذي تندرج تحته الأحزاب الدينية . 

كيفيّة عمل الأحزاب :: 

ان الأحزاب تعتمد على نظريّة العقل الجمعي ونقصد بالعقل الجمعي هو تأثر الجماهير بمجموعة معيّنة واعتقادها أنها تمثل السلوك الصحيح كونها لا تعرف تكليفها , فالأحزاب ببساطة تعمل على استقطاب الجماهير التي لا تعرف تكليفها وما لها وعليها في أيّ موضوع مطروح في أيّ مجال كان . 

تزداد قوّة أيّ حزب ان كانت شعاراته دينيّة في المجتمعات ذات الصبغة الدينيّة لأن أفراد المجتمع يشعرون بخطورة عدم تطبيق الدين بل يشعرون بوجوب وجود جهة تمثّل الدين وتسعى لنشره في المجتمع حتى تخلّص المجتمع من كل الرذائل وتجعله مجتمع ديني راقي وبالتالي يفوزون بالدنيا والآخرة . 

ان الأحزاب داخليا تعمل كالمؤسسات العسكرية فوجب أن يكون لها قائد عام وادارة تحت هذا القائد والأفراد المنتمين للحزب وأتناول الفرق البسيط بين الأحزاب والمؤسسات العسكرية بأنه الأوامر العسكرية غير قابلة للنقاش وواجبة النفاذ تحت أيّ ظرف كان , أما الأحزاب فلديها ثلاث أنواع من الأوامر أولها أوامر واجبة التنفيذ تحت أيّ ظرف كان كالمؤسسات العسكرية وثانيها أوامر ممكنة التنفيذ أيّ ليس لرئيس أو قائد المجموعة تنفيذها فورا وتكون بعيدة المدى أما الأخيرة أن التنفيذ يكون حسب المأمور حتى يشعر أن لديه فسحة ولا يعيش ضغوطا عليه وهذه الأخيرة دائما ما تستعمل حسب تشخيص القائد لأفراده . 

لا غرابة أن هناك تصنيف عسكري في الحزب فهو عمل مؤسسي عسكري بثياب مدنيّة وهذه المقارنة تتضمن ايضا التصفية أو الفصل من الحزب لمن لا يلتزم بالأوامر لكن التصفية ليست بالضرورة تصفية جسدية أو عقاب جسدي , انما عقاب وتصفية نفسيّة واجتماعيّة بنفس الوقت فكل من تسول له نفسه الانشقاق عن الحزب يصفى لكن التصفية درجات حسب معرفة الفرد بأسرار الحزب الداخليّة والعلاقة بينهما طرديّة فكلما زادت معرفة الفرد زادت قوّة التصفيّة وكلما قلّت المعرفة قلّت قوة التصفية . 

أثر الأحزاب على الدين :: 

لم أتطرق إلى أثر الأحزاب على المجتمع لأن الخطورة تكمن في ادعاء الحزبيّة لله تعالى وليس للمجتمع , فلو رأينا حزبا ينادى بالوطن وحماية الوطن والحفاظ عليه لما وجدنا ضررا يعتد به مقارنة بمن يدعي أنه يمثّل الاسلام والنهج المحمدي الأصيل . 

أثر الأحزاب على الدين خطر جدا لأن الوسائل التي يعمل بها الحزب كما أسلفنا وسائل سياسية مصلحيّة أي انه يقدّم المصلحة على المبدأ فأينما توجد المكتسبات الدنيوية يقتنصها باسم الدين وأكبر شاهد على ذلك أن كل الأحزاب الدينية تسعى للسلطة والحكم ولو بشكل نسبي لا كامل . 

قد يقال لا ضرر من ذلك انما سعيه للحكم والسلطة لتطبيق الشريعة الاسلاميّة بشكلها الأمثل وهذا لا يتم إلا بالحكم والتحكم بزمام الأمور , نقول لا اشكال ولا ريب بهذا الكلام لكن أعطونا دليل واحد على مدى التاريخ لدولة طبقت الشريعة الاسلاميّة بشكلها الأمثل ؟! 

دولة المعصوم وإلا فلا , ثم نقول أن الأحزاب تستغل القضايا الدينية بشكل صارخ لتحقيق غايات ومصالح دنيوية فان كان لديكم مثال واحد على حزب يطبق الدين بشكله الأتم غير الحزب الذي مدحه القرآن الكريم آتونا به ونحن من الشاكرين . 

وقد يرد أنني أرفض الدولة الدينيّة بالمجمل , أقول لا ليس هذا ما أصبو إليه انما الخلاف دائما حول التطبيق فحتى الجمهورية الاسلاميّة الايرانية لا تطبق الأحكام الاسلاميّة بل تنتهكها بشكل صارخ ويكفيك أنها بعد وفاة السيد الخميني قدس سره قامت بسن قانون تحديد النسل ! 

نعم تحديد النسل وقد قام مؤخرا السيد الخامنئي بالاعتراف بهذا الخطأ الجسيم , ومن أبجديات الدين لكل مسلم أن تحديد النسل حرام ولا يجوز ! , أما أن تأتي وتكلمني عن المملكة العربية السعوديّة فلا أعترف بها كدولة اسلاميّة أصلا !  

الأحزاب تستغل كل شئ حتى الدين لتحقيق مصالحها وهذا سبب ردة فعل لدى الأفراد فمنهم من ترك الدين ومنهم من ترك المتدينين الحقيقيين , ولجأوا إلى العلمانية والماركسية والبرجماتية بل حتى إلى الحداثيين وكل فئة من هذه تلعن أختها ! 

خاتمة :: 

لا أدعو إلى ترك الحزبيّة بالمجمل , ولكن أن يكون حزبك هو حزب الله تعالى فقائدك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين من بعده وعلماؤنا الأعلام الذين اهتدوا بنور العصمة وأسسوا لنا هذا التراث العظيم . 

ان أعظم مشكلة تواجه الأفراد الذين يلتحقون بالأحزاب هو الجهل أما الحزبي فقد شرب حليب الحزب ومبادؤه ويرى أنه الحزب القويّ الذي يطبق أحكام الله تعالى في أرضه ويرى أن الاعتراض على الحزب فيه من سوء الظن المذموم ولا يدري أنه يعيش حالة بهيمية من صرعة الاسترسال بحسن الظن ! (هل سوء الظن مذموم دائما ؟ ) . 

وأختم قولي بقول أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليهما السلام لكميل بن زياد رضي الله عنه ( يا كميل ... ان ها هنا ( وأشار الى صدره الشريف ) لعلما جما لو أصبت له حملة , بل أصبت لقنا غير مأمون عليه " مستعملا آلة الدين للدنيا " ومستظهرا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه , أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة , "" ألا لاذا ولا ذاك "" ! ... أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة أو مغرما بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شئ أقرب شئ شبها بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه . 





26‏/11‏/2012

و ارحم تلك الصرخة التي كانت لنا








كتاب ثواب الأعمال للشيخ الصدوق صفحة 96 باب ثواب من زار قبر الامام الحسين عليه السلام


أبي ( ره ) قال حدثني سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن محمد ابن أبي عمير عن معاوية بن وهب قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو في مصلاه فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه فيقول : يا من خصنا بالكرامة ووعدنا الشفاعة وحملنا الرسالة وجعلنا ورثة الأنبياء وختم بنا الأمم السالفة وخصنا بالوصية وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا ، اغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي عبد الله  الحسين بن علي عليهما السلام الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا وسرورا أدخلوه على نبيك محمد صلى الله عليه وآله وإجابة منهم لأمرنا وغيظا أدخلوه على عدونا ، أرادوا بذلك رضوانك فكافهم عنا بالرضوان وأكلأهم بالليل والنهار واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف واصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد وكل ضعيف من خلقك وشديد ، وشر شياطين الإنس والجن وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم وما أثروا على أبنائهم وأبدانهم  وأهاليهم وقراباتهم ، اللهم ان أعدائنا أعابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن النهوض والشخوص إلينا خلافا عليهم ، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وأرحم تلك الخدود التي تقلبت على قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام وارحم تلك العيون التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا ، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم العطش ، فما زال صلوات الله عليه يدعو بهذا الدعاء وهو ساجد فلما انصرف قلت له جعلت فداك لو أن هذا الذي سمعته منك كان لمن ليعرف الله لظننت ان النار لا تطعم منه شيئا أبدا ، والله لقد تمنيت ان كنت زرته ولم أحج فقال لي ما أقربك منه فما الذي يمنعك عن زيارته يا معاوية ولم تدع الحج ذلك ، قلت جعلت فداك فلم أدر ان الامر يبلغ هذا ، فقال يا معاوية ومن يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الأرض لا تدعه لخوف من أد فمن تركه لخوف رأى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان بيده أما تحب ان يرى الله شخصك وسوادك ممن يدعو له  رسول الله صلى الله عليه وآله أما تحب أن تكون غدا ممن تصافحه الملائكة ؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن رأى وليس عليه ذنب فتتبع ؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن يصافح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟


شرح الرواية :: لآية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظلّه .. في الروابط التالية ..

29‏/06‏/2012

ارادة الأمة



ان حال المجتمعات البشريّة في تطوّر دائم ومقتضى التطور ديمومة التغيّر في الحال , فليست من سمات المجتمعات البشريّة الجمود انما هي حالة تغيّر سواء كان التغير ايجابي أو سلبي المهم أنها تتغير , أما الأمور الثابتة في المجتمعات البشريّة هي المبادئ والقيم والمعاني الساميّة التي يحاول المجتمع ترسيخها والمحافظة على ثباتها ومواكبة التطور دون المساس بها . 

فكل مجتمع يحافظ على قيمه من خلال نظريات متعددة تتحول إلى عادات وتقاليد وسلوكيات خاصة وأيّ خطر يواجه هذه العادات التي وضعت بالاصل للمحافظة على النظريّة المعتمدة لدى المجتمع تواجه بكل قوّة , فالمجتمع يسمح بطرح النظريات بما هي نظريات ويقبل الأخذ والرد بها لكن لا يقبل أن تتحول إلى سلوك مجتمعي يؤدي الى نقل الخلاف من كونه خلافا نظريا الى خلافا اجتماعيا . 

وبالتالي تتشكل لدينا ارادة أمة تنقل المجتمع من النظريّة الى التطبيق , وهذه الارادة تواكب التطور كما أسلفنا لكنها تحاول دائما ترسيخ المبادئ والقيم التي تحفظ كيان المجتمع وتدفعه باتجاه الاصلاح وكما يقرر علماء الاجتماع أن أيّ مجتمع متعدد الثقافات أكثر احتواء من غيره ولكنّه يجب أن يكون ذات صبغه ثقافية واحدة بالمجمل أو أن تسيطر عليه ثقافة واحدة كأن يكون المجتمع رأسمالي فقط أو شيوعي فقط مع عدم تجريم الاطلاع على الأنظمة الاقتصاديّة الأخرى أما على مستوى العقيدة فالديانة المعتمدة مطلوبة فيصبح لديه مقياس و معيار لقياس الشاذ عن النظريّة . 

مشكلة المجتمع الكويتي أن لديه نظام اقتصادي واحد ولديه ديانة معتمدة لكنّه بنفس الوقت اتفق على دستور أقر أكثر من نظام اقتصادي وأكثر من ديانة ! , وكل فرد في هذه الأمة يحق له فرض نظريته وتحويلها الى نشاط عملي والأفراد الأكثر تنظيما هم القادرين على تحريك الجمهور الى ثقافتهم وطرحها حتى يصير أمرا واقعا ! . 

وبالاتفاق أن الأحزاب هم الأكثر تنظيما في المجتمعات المدنيّة أو لنقل المجتمعات المواكبة للتطور ولو بشكل بطئ أو حتى تدريجيا فــ ( ارادة الأمة ) تصير مرهونة بيد المجموعات المنظمة ( الأحزاب ) سواء - في بدايتها أو نهايتها - , فلو انتفض الشعب كلّه في البداية دون أجندة حزبيّة بالنهاية الاحزاب تقطف الثمار أما لو كانت في البدايةفالأمر واضح . 

هذا لو كانت لدينا أحزاب سياسيّة بالمعنى الدقيق ولكن في الكويت تجمعات سياسيّة وتكتلات ذات توجه واحد ومصنّفة حسب الفئة والطبقة والطائفة , بالنتيجة ( ارادة الأمة ) قوامها فئة أو طبقة أو طائفة وهذا أمر طبيعي لكن الغير طبيعي أن تستغل هذه الارادة لشئ واحد فقط وهو ( مصلحة المجموعات المنظمّة - الأحزاب - ) . 

وأختم بمثال بسيط يوضّح الأمر بشكل سليم , حركة حل مجلس 2012 أو ابطاله كما هو - حكم أو قرار - المحكمة الدستوريّة هذه من الأمور التي يمكن القطع بأنها من تدبير السلطة ولكن بالطرف المقابل لدينا سياسيين لديهم من الحنكة السياسيّة ما يجعلهم قادة للمجتمع والتعبير الحقيقي عن ارادة الأمة كما يزعم البعض , هؤلاء السياسيون الذين قادوا الشارع وعبروا عن ارادة الأمة كيف تفوتهم هذه النقطة - الخطأ الاجرائي - مع تأكيد أكثر من خبير دستوري بأنه خطأ اجرائي صارخ ؟ 

الجواب لا يخلو من أمرين : إما أن هؤلاء الساسة لا يعلمون بهذا الخطأ الاجرائي الصارخ وهذا ( غباء محض ) , أو أنهم كانوا يعلمون فما هي المصلحة التي حققوها ؟