13‏/01‏/2010

العلمانيّة والدين

أغلب الصراعات التي تدور في الأوساط الفكرية والتي تهاجم العلمانية والمنتسبين لها عبارة عن صراعات مسبوقة بمفاهيم خاطئة تجعل كل طرف يتهم الآخر بما ليس فيه , هذه المفاهيم الخاطئة جعلت من التناطح الفكري تناطحا سطحيا لا يعتمد على علميّة الطرح بل على خلفيّة الشخص الذي نقلها , نعم ربما نكون متفقين بشكل المفهوم لكننا نختلف في مصاديقه , لكن المصيبة بمن يأخذ المفهوم ويفسّره حسب ما هو يراه وما يتناسب و ميوله واتجاهاته لا من حيث الاختلاف بالمصاديق , وما يزيد الطين بلّة وجود ثقافة جديدة وهي ثقافة ( خلق ) المفاهيم لا تفسيرها هي المشكلة الحقيقة التي نعاني منها في ساحات الحوار في شتى المجالات . 

هذا الأمر كان له الدور البارز في ايجاد مفاهيم جديدة للعلمانية ومع الاستقراء البسيط يتبين أن هذه المفاهيم ( الحديثة ) التي وضعت لتعريف العلمانية غير حقيقية وعبارة عن نتيجة طبيعية لثقافة خلق المفاهيم , وهذا ما يجعلنا نتطرق الى مفاهيم العلمانية ونناقش المفهوم المشهور الذي يقول بأن العلمانية هي ( فصل الدين عن الدولة ) , كون المفاهيم الأخرى ضيقة الأفق من حيث الرد عليها وقبل التعرض للعلمانية وجب التطرق الى مرحلة نشوء العلمانية التي بات يعرفها كل متتبع ولو بدرجة بسيطة , لكن هذا لا يمنع من التذكير .

نشأت العلمانية

ينقل لنا التاريخ أن العالم الأوربي في العصور الوسطى كان يعيش حالة من سيطرة الكنيسة الكهنوتية على جميع شؤون الحياة , وكل ما تقول به الكنيسة هو حقيقة مطلقة مقدسة غير قابلة للنقاش , وهذه الكنيسة كانت تفسر الظواهر الكونيّة والاجتماعيّة حسب ما هي تراه مناسبا حتى لو تعارض مع العلم أو العقل , هذه السيطرة استعبدت الناس حتى شعروا بالظلم الشديد وهذا الأمر مهّد أرضية مناسبة لتيارات مناهضة للكنيسة وهذه التيارات تنادي بأن يكون التحليل والفلسفة ووضع الأطر والموازين كلها لابد أن تعتمد على أسس علميّة تجريبيّة تعتمد على العلم التجريبي لا على أسس كنسّية لاهوتية وهذه التيارات المناهضة سميّت بــ ( العلمانيّة ) . 


تعريف العلمانيّة 

تعددت تعريفات العلمانية لكننا سوف ننتخب أدقها وهي على ثلاث : 

1-  العلمانية التجريبيّة : بالمعنى الذي ذكرناه في أصل نشوئها , فالعلمانية عبارة عن الاتجاه الذي يتبنى المنطق التجريبي في مقابل المنطق الغيبي والذي يقول بأنه ينبغي لتحليل الظواهر الاجتماعية الاعتماد على المنهج التجريبي الحسي وليس على المنهج الغيبي اللاهوتي . 

2- العلمانية الفكرية : وهي التي تقول بمبدأ النسبية , أيّ أنها لا ترى الحقيقة المطلقة التي تؤدي الى قداسة هذه الحقيقة وبالتالي الغاء أي دين آخر , فهي تقف من الدين الكهنوتي موقف النسبيّة فلا تعده حقيقة مطلقة مقدسة بل مجرّد دين يقبل ويدللون على ذلك بأن الحروب والصراعات والتشنجات الانسانية منشؤها الاصرار على الحقيقة المطلقة التي تلغي الآخر أما النسبيّة تقبل الآخر وهذا لا يؤدي الى صراعات وتشنجات وبالتالي سوف نصل الى تعايش سلمي خال من الحروب .

3- العلمانية السياسيّة : وهي التي تنادي بفصل الدين عن الدولة فهي تقول بأن الدين شئ والدولة شئ آخر فالدين يقتصر على علاقة الانسان بربه أما الدولة هي التي تدير شؤون الانسان السياسية والاجتماعية .
  
 ملاحظات : 

* ان هناك فكرة سائدة أن العلمانية هي اللادين , وهذه الفكرة يؤخذ عليها بأنه ممكن أن يكون هناك انسان متديّن معتقد ومسلّم بالدين لكن له اتجاه معيّن من اتجاهات الحياة يختلف عن النظرة الدينية الطاغية ولا أعتقد أن هذه الفكرة صحيحة .

* ان هناك من يتبنى العلمانية السياسية انطلاقا من عدم القدرة على تطبيق الدين لا من حيث أنه يقول بأن الدين ليس شامل ولا يتدخل في جميع شؤون الحياة لكن لأننا لا نستطيع تطبيق الدين فوجب الاعتماد على العلمانيّة . 

 * ان هناك من المنتسبين للعلمانية من طبق التجربة الأوربية مع الكنيسة الكهنوتية على الدين الاسلامي الحنيف , وهذا التطبيق خاطئ حيث أن الاسلام أتى من الله سبحانه وتعالى وبشريعة خاتم النبي صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين , لكّن من أسقط التجربة الأوربية على الاسلام أصبحت لديه ردة فعل من جميع ما لا ينسجم مع عقله هو , وأصبح لا يعرف طبيعة العلاقة بين العقل والدين . 

النقد

أما العلمانية التجريبية واتخاذ المنهج التجريبي فقط في تحليل وتفسير الظواهر الكونية والاجتماعية , المأخذ الرئيسي عليها هو عدم قدرتها تعميم التجارب وتأصيل قواعد تجريبيّة دون منهج عقلي وخير مثال على ذلك لو أردنا ان نناقش تجربة علميّة مثل تجربة أن الحديد لو عرضّناه للحرارة تمدد فهذه التجربة منحصرة في عناصرها من حديد وحرارة , وتعميم هذه التجربة على أن كل حديد يتمدد بالحرارة نحتاج الى منهج ومنطق عقلي لكي يتحقق التعميم فنحن لم نجرب على كل حديد في هذه الأرض وهذا أبسط رد على المنهج التجريبي المستأثر بأنه المصدر الوحيد لتحليل وتفسير الظواهر الكونية والاجتماعية .

والعلمانية الفكرية التي لا تقول بالحقيقة المطلقة وتقول بمبدأ النسبيّة علاوة على أنها تنطلق من ردة فعل , فهي تقف أمام الأدلة العقليّة والنقليّة على أن الاسلام هو الحقيقة المطلقة والشريعة الالهيّة المنزلة على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه واله وسلم وسوف نبيّن هذا الأمر في معرض ردنا على العلمانية السياسيّة .

ننهي البحث في مناقشة العلمانية السياسية التي تقول بوجوب فصل الدين عن السياسة وأن الدين عبارة عن علاقة الانسان بربه ولا دخل للدين بادارة شؤون حياة , الرد على هذه المقولة وجب الوقوف على أنواع العلاقات التي ولدت مع الانسان .

العلاقات التي ولدت مع الانسان أربع :

1- علاقة الانسان بـ نفسه
2- علاقة الانسان بـ الطبيعة
3- علاقة الانسان بـ الانسان الآخر
4- علاقة الانسان بـ الغيب أو بـ الله سبحانه وتعالى

وكل من هذه العلاقات نظمّها وقننها الاسلام والشواهد أقل من أن تحصى في هذا المجال وسوف نشير لها , وقبل الاشارة لها وجب أن نلتفت الى نقطة جوهرية في البحث ان كانت العلمانية تدعي أن الدين ليس له مدخلية في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية للانسان فيكون السؤال هل الدين نظّم علاقات الانسان ام اقتصر على تنظيم علاقة الانسان بربه فقط ؟

الاجابة عن هذا السؤال تكشف الرد الرئيسي على العلمانية السياسية , فان كانت الاجابة بنعم ان الدين نظّم علاقات الانسان الاربع فيسقط القول بأن الدين نظّم علاقة الانسان بربه فقط , أما ان كان الجواب بلا فنرحّب بالدليل على ذلك ومع أقل استقراء للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نعلم أن من يجيب على السؤال بلا لم يعرف ما هو الاسلام وهذه اشارة الى أن المسلمين الذين يتخذون العلمانية منهجا يعرفون أن الاسلام قد نظم العلاقات الأربع للانسان لكنّهم ينطلقون من مفهوم أننا لا نستطيع تطبيق الدين لهذا نتخذ العلمانية منهج . 

قبل الشروع في مسألة العلاقات وكيف نظمها وقننها الاسلام نشير الى قاعدة عقليّة ونقليّة سليمة ننطلق من خلالها لشرح ما نريد , هذه القاعدة ببساطة واختصار شديدين تسمى بقاعدة ( اللطف الالهي ) وتقول  " كما يشرحها الشيخ المظفر في كتابه عقائد الاماميّة بتصرّف ":

 ان الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وركبّه من عقل وعاطفة وهذا التركيب جمع بين نوازع الشر وبواعث الخير مما يؤدي الى صراع داخلي بين العقل والعاطفة فمن جهة قد جبل على العواطف والغرائز من حب النفس والهوى والأثرة وإطاعة الشهوات ، وفطر على حب التغلب والاستطالة والاستيلاء على ما سواه ، ومن الجهة الثانية خلق الله تعالى فيه عقلا هاديا يرشده إلى الصلاح ومواطن الخير وضميرا وازعا يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنبه على فعل ما هو قبيح ومذموم .

وعلى هذا فالانسان في أشد الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق اللاحب والنهج الواضح إلى الرشاد واتباع الهدى ، لتقوى بذلك جنود العقل حتى يتمكن من التغلب على خصمه اللدود اللجوج عندما يهيئ الانسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة وتشتد هذه الحاجة عندما تخادعه نفسه وتراوغه .

لأجل هذا يعسر على الانسان المتمدن المثقف فضلا عن الوحشي الجاهل أن يصل بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح وهذا يوجب على الله سبحانه وتعالى أن يبعث للناس ( رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) , والوجوب ليس أنه أمرا له سبحانه بل لأنه يستحيل انفكاك اللطف عنه سبحانه وتعالى . " انتهى النقل بتصرّف "

الانطلاق من هذه القاعدة يؤدي بنا الى نتائج من خلالها يتضح الرد السليم على العلمانية بأشكالها الثلاث , ان النتيجة الحتميّة هي أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وهو أعلم بما خلق فهو من يضع له الطريق ويشرّع له القوانين التي تجعل من عقله ينتصر على عاطفته ويبلغ بذلك أسمى درجات السعادة وهنا نقول لمن يريد أن يسّن القوانين أنه وجب عليك أن تعرف كيفيّة تركيب هذا الانسان وتكشف عن الأسرار التي فيه كيّ تقدم لنا قانون يتناسب و امكاناته وقدراته ويوفق بين مصلحته الخاصة ومصالح المجتمع العامة كما وجب أن تسّن قوانين تتخطى المقيدات الزمانية والمكانيّة وتجعل من هذه التشريعات مرنة شاملة كاملة وهذا لن يتحقق كون الانسان لم يستطع حتى الآن أن يعرف حقيقة الانسان ؟! وبالمناسبة هذا المأخذ الرئيسي على كل القوانين الوضعيّة ؟!

والنتيجة الثانية هي أن الدين الاسلامي حقيقة مطلقة مقدسة لا نسبيّة تقبل أن تؤخذ وترد ومن تخلّف عنه نتيجة طبيعية لانتصار عاطفته على عقله وأيضا كشف القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) فالحقائق المقدسّة تتبين بالدليل العقلي والنقلي الصرف وقاعدة اللطف الالهي وجب أن تكون مسبوقة بالاعتقاد بوجود الله سبحانه وتعالى وحكمته حتى ينفذ الاعتقاد به .

نهاية نبيّن دور الاسلام في علاقات الانسان الأربع وكما قلنا ان أقلّ استقراء للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يكشف عن أن الاسلام قد اعتنى بهذه العلاقات .

 علاقة الانسان بنفسه

ان الاسلام أعطى للانسان قيمة عالية لم يعطها لأيّ مخلوق آخر على وجه الأرض ويكفي أنه جعله " الخليفة الأرضي " لهذه الأرض ( اني جاعل في الأرض خليفة ) كما عهد الله سبحانه وتعالى للانسان أمانة قد عرضها على المخلوقات جميعا فلم يستطع حملها سوى الانسان ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا  ) , فلا توجد نظرية أو فكرة أو أيّ مذاهب وضعيّة جعلت من الانسان خليفة أرضي , كما أن الاسلام أعطى للانسان حقوق وواجبات واعتنى بالقيم الانسانية من عدالة ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) وصدق ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) وأمانة , وروح المبادرة و تنظيم الأولويات وادارة الوقت و كيفيّة المحافظة على النفس بما يتناسب و قدراتها وامكاناتها . 

علاقة الانسان بالطبيعة 

النص السابق أيضا ينطبق هنا حيث أن قوله تعالى ( اني جاعل في الأرض خليفة )  هذه الآية تكشف عن أن علاقة الانسان بالأرض وجب ان تكون علاقة بناء الحضارة , وما يقرّب هذا المفهوم قوله تعالى ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان  ) فأنت يا أيها الانسان ان استطعت ان تبني حضارة كونيّة فافعل وتستطيع ذلك من خلال السلطان أيّ ( العلم ) كما يفسرها الامام الصادق عليه السلام , وربما نتعرض في احدى المقالات الى فقه البيئة .

علاقة الانسان بالانسان الآخر

هذا الأمر بالذات قد اعتنى به الاسلام بشكل واسع فالاسلام وضع حقوق الوالدين ( بالوالدين احسانا )  والولد ( ولا تقتلوا اولادكم من املاق نحن نرزقهم واياكم ) , والزوجين والجار والعدو والصديق وغيرها وأنصح بمطالعة رسالة الحقوق للامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام للاستزادة .

علاقة الانسان بالله سبحانه وتعالى , بالغيب

أكتفي بمراجعة ( الصحيفة السجادية ) للامام زين العابدين عليه السلام

لم ننته بعد من العلمانية والدين وربما هناك مقال آخر .


" من لقاءات العلامة السيد منير الخباز مع اضافة الكثير من الآراء الشخصية فضلا عن المقدمة " 
  

هناك 9 تعليقات:

  1. درس جميل عن العلمانيه

    ولكن اذا تغطرست تسحق الدين بل تدمره ولك فى تركيا وايران الشاه وتونس أمثله

    بودى أن أسس تيار جديد هو العلمانيه الاسلاميه قد يكون من انجح العلمانيات

    وشكرا

    ردحذف
  2. موضوع متعوب عليه

    حقيقة استفدت منه الكثير

    بانتظار الجديد

    تقبل مروري الاول عزيزي

    تحياتي

    ردحذف
  3. الأخ الكريم بندول ..

    ان المشكلة ليست بالعلمانية نفسها كون الرد عليها علميّا سهل , لكن المشكلة تكمن بمن أخذ المتعلمنين ؟!

    أغلب المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا لا تكون بأصل الفكرة بل بمن يتبنون الفكرة ويطبقونها .

    وبعبارة منطقية ليس المشكلة بالمفاهيم بل بالمصاديق .

    تقبل تحياتي


    الاخ الكريم علي اسماعيل الشطي

    أكمل قراءة المقال فكانت له تتمة ..

    والحمدلله أنك استفدت , فنحن نفيد ونستفيد منكم ..

    مرورك الأول ان شاء الله ما يكون الأخير

    تحياتي

    ردحذف
  4. السلام عليكم مقال طيب ولكني احب ان اسالك سؤال مهم للغاية ؛ ما هي وجهة نظرك بتطبيق العلمانية في دولة الكويت ؟
    وهل يمكن ان يطبق الشرع الاسلامي في الكويت ؟

    سلام

    ردحذف
  5. اذا طبقوا الشريعه في الكويت فهؤلاء المجانين سوف يرموننا في البحر !!

    على حسب شريعتهم فنحن مشركين وفجره وفسقه .واخطر من اليهود والنصارى .

    ردحذف
  6. سلام عليكم

    من المتابعين

    ردحذف
  7. تحية طيبة...
    موضوع قيم بلا شك...
    دمت بخير...

    ردحذف
  8. جهد رائع وينقصه لمسة الكاتب ..


    تحياتي

    ردحذف
  9. جهد رائع وينقصه لمسة الكاتب ..


    تحياتي

    ردحذف