الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

لهذا الشعب الكويتي كلّه يعرف بالسياسة - لهذا لا أتكلّم بالسياسة !










السياسة لغة بمعنى قاد وساس وبالمفهوم الاصطلاحي العام تعني رعاية شؤون الدولة - المجتمع الداخلية والخارجية ولها أشكال وأنواع عديدة , فهناك سياسة الاحتواء وسياسة التكتلات , كذلك سياسة المبادئ وسياسة المصالح , أما سياسة الاحتواء تعني محاولة استمالة الخصم واحتوائه بطريقة غير مباشرة ( تصادميّة - عسكريّة ) بل عن طريق استخدام اساليب الضغط من الدبلوماسيّة والاقتصاديّة والاستخباراتيّة وبعبارة أسهل تطبيق أساليب نوعيّة لتحقيق هدف مرجو بأقل الخسائر , أما سياسة التكتلات فهي عبارة عن جمع أكبر قدر ممكن من الحلفاء بغرض تحقيق أهداف وغايات مشتركة فكثرة الشركاء تؤدي الى اجتماع الموارد البشريّة والطبيعيّة لخدمة المجتمعات المتكتلة وتهدف الى تكوين قوة حاكمة . 

أما سياسة المبادئ نعني بها هي السياسة القائمة على مبادئ عامة وتكريس جميع الامكانات والطاقات والوسائل في سبيل تحقيق المبادئ بشكل لا يتنافى معها وبالتالي تكوين شخصيّة مبدئية تذوذ عن مبادؤها وتطبقها بشكلها الأمثل والأحسن حتى لو تعارضت مع المصالح الشخصيّة أو مع مصالح المجتمع العامة ذات الطابع السلبي . 

وسياسة المصالح نعني بها هي السياسة المرتكزة على أساس تحقيق المبادئ العامة بأي وسيلة ممكنة ( فن الممكن ) فضلا عن وقوفها مع مبدأ ( الغاية تبرر الوسيلة ) فهي لا تألو جهدا في تحقيق المصلحة حتى لو كانت سلبيّة ولها آثار ضارة على المجتمع فالمهم تحقيق المبادئ حتى لو كانت هذه المبادئ خاطئة وذات طابع عكسي على تطور المجتمع ونماؤه . 

ان السياسة المبدئية في الكويت تكاد تكون معدومة أو لنقل لا نستطيع أن نميّزها بسبب كثرة وجود تيارات فكريّة وعقديّة تتبنى سياسة المصالح بل يمكننا القول أن السياسة بما هي سياسة عبارة عن ( موضع شبهة ) بحسب التجربة العمليّة المحليّة والعالميّة , والحكم العقلائي هو أن من يضع نفسه موضع الشبهة فلا يلومن الا نفسه ولا يستطيع أن يحمي ظهره من الانتقادات والتشكيكات الواقعة عليه . 

الجدير بالذكر أن سياسة المصالح والمبادئ بصراع دائم منذ خلق نبي الله آدم عليه السلام وبعبارة أسهل نستطيع أن نشبه السياستين بالحق والباطل أو اليقين والوهم بل يصدق القول أنهما نقيضان لا يجتمعان بأي حال من الأحوال ولو أردنا أن نمثّل المسألة تأريخيا وأخذ شاهد على ذلك فهي كصراع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن خالفه من كفار ومشركين منافقين , فالنبي صلى الله عليه واله وسلم كان عبارة عن شخصيّة مبدئية , والشخصية المبدئية تتعامل مع الجميع وفق مبادئ سامية فماذا لو كانت هذه المبادئ ربانيّة وماذا لو كانت هذه الغايات نبويّة ؟ سوف يتم تكوين مجتمع راقي موفق بين مصالح الفرد الخاصة ومصالح المجتمع العامة . \

ان حزب قريش ممن خالف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم استخدم أساليب وأنواع السياسة التي ذكرناها ولأنه قائم على سياسة المصالح فهو استخدم اسلوب الاحتواء وكذلك اسلوب التكتلات فحاولوا أن يحتوا النبي صلى الله عليه واله وسلم بالمال والملك , وكذلك حاربوا في غزوات عديدة . 

هذا الصراع كان واضحا لكن مصيبة السياسة أن فيها صراع ( خفيّ ) غير مرئي وصعب تمييزه وتمثّل هذا اجتماع السقيفة وشورى الستة وفتنة قتل الثالث , الى أن أصبح واضحا مرّة أخرى بين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام والطليق (1) معاوية بن ابي سفيان , فالامام علي عليه السلام تربى في حجر النبي صلى الله عليه واله وسلم وكان شخصيةّ مبدئية ومعاوية تربى في حجر الطليق أبوسفيان صاحب سياسة المصالح وأصبح شخصيّة مصلحيّة , وكما قلنا أن ابوسفيان اتخذ سياسة الاحتواء والتكتلات ضد النبي صلى الله عليه واله وسلم كذلك معاوية انتهج نفس المنهج  وعلى النقيض أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اتخذ المبادئ السامية والراقية منهجا في حياته كذلك الامام علي عليه السلام انتهج نفس المنهج . 

المفارقة بين الصراعين أن الأول ( قريش - النبي ) كان صراعا واضح المعالم أما صراع الامام علي عليه السلام كان صراعا ( شبه واضح المعالم لمن وقف مع معاوية ) , الحقيقة أن الصراع كان واضحا أيضا بين الامام علي عليه السلام والطليق لكن استخدام سياسة الاحتواء والتكتل كانت ضمن الحظيرة الاسلاميّة لهذا قلنا ( شبه واضح ) , فاتخاذ موقف معادي متمثل بـ ( الاسلام - والشرك ) غير اتخاذ موقف معادي متمثل بـ ( الاسلام الحقيقي - الاسلام المصلحي ) وكما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم " يا علي أنا أقاتل على تنزيله - القرآن - وأنت تقاتل على تأويله " (2) 

وأهم مقومات سياسة المصالح هي كما يصفها الامام علي عليه السلام " والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرة كفرة . ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . والله ما أستغفل بالمكيدة ، ولا أستغمز بالشديدة " (3)  , بل يستمر الامام علي عليه السلام في تبيان منهج معاوية بعد بيان مقومات سياسته بقوله " أما بعد ، فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور ، فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الاباطيل ، وإقحامك غرور المين والاكاذيب ، وبانتحالك ما قد علا عنك ، وابتزازك لما قد اختزن دونك ، فراراً من الحق ، وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ، مما قد وعاه سمعك ، وملئ به صدرك ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ، وبعد البيان إلا اللبس ؟ " ( 4 ) 


الشاهد من ايراد هذه اللمحة التأريخيّة أن هناك صراعا بين سياسة المبادئ وسياسة المصالح وهذا الصراع استمر الى يومنا هذا وأصبحت سياسة المصالح هي الطاغية على هذا ( العالم ) بأسره فبما أنها سياسة اذن هي سياسة مصالح اذن هي ( موضع شبهة ) . 

ولو أردنا مناقشة السياسة من جانب فقهي فهي كما يقول أرباب الفقه ( ترجيح بلا مرجح ) , أي أننا نرجح أن يكون الفعل يقصد به شئ لكن دونما مرجّح يقوّم استنتاجنا فندور في حلقة عدم القدرة على اصدار الحكم و البحث عن مرجحات لنظريتنا واستنتاجاتنا . 

ولكي نبيّن المسألة بشكل واضح نقول أن السياسة بما أنها موضع شبهة كونها سياسة مصالح لا مبادئ فاصدار الأحكام على السياسين ممتنع كون أننا لم نحيط بجميع جوانب وظروف قراراتهم السياسية حتى نصدر حكم على فعلوه بأنه خطأ أو صواب , ويكفي أن نقول أنهم موضع شبهة فنكتفي باطلاق الانتقادات والتشكيكات دونما حكم نهائي . 

( الى الآن أشعر أني لم أقرب المسألة ) ! 

نقربها أكثر بمثال تأريخي آخر .. 
عندما نجد شخصيّة مبدئية مثل الصحابي الجليل عمار بن ياسر عليه السلام تتبع السياسة المبدئية ( التي ترعى شؤون الدولة - المجتمع الداخلية والخارجية وفق مبادئ سامية ) المتمثلة بالنبي صلى الله عليه واله وسلم فنجده يقوم و ينال من راعي الدولة - المجتمع ؟! 

الحكم الذي سوف نصدره مباشرة هو البراءة من هذا الانسان بل يحق لنا أن ننتقد ونشكك بشكل لاذع لكننا نغفل عن شرط أساسي لاصدار الاحكام وهو ( مراعاة الظروف والتفاصيل التامة ) , وبعد مراعاة الشروط والتفاصيل نجد أن الصحابي الجليل عمار قال هذا الكلام من باب ( دفع الضرر ) , دفع ضرر الموت عن نفسه وبهذا يكون معذورا فيما قاله وبالفعل عذره الله ورسوله.

اننا باصدار حكم البراءة لعمار بن ياسر لأننا علمنا بالتفاصيل وراعينا الظروف مع العلم أن ما قاله لا ينسجم مع المبادئ الاسلامية لكن هناك ظرف استثنائي حكم بهذه المسألة فرجحنا البراءة بمرجوحيّة ( دفع ضرر الموت ) , كما أن هناك ظروف أخرى وأكثرها انتشارا هي ( دفع مفسدة كبيرة على حساب مفسدة أصغر ) وهذا الظرف كثير الانتشار في الاقطار السياسية كافة ويرجع الى تكليف الفرد وتشخيصه . 

ان واقعنا الحالي ليس بهذه البساطة وليس بهذا الوضوح بل به تشعبات كثيرة وظروف خفيّة فعمار عرفنا حكمه من الله ورسوله لكننا اليوم لا نعرف أحكام الكثيرين من الساسة , فليس لدينا التفاصيل التامة ولا الاحاطة في الظروف كاملة حتى نطلق الأحكام مع الحق بتوجيه انتقادات وتشكيكات لأن من وضع نفسه موضع الشبهة يتحمل ما يأتيه .

 قد يسأل سائل : بما أننا أخذنا حكم البراءة لعمار بنقل , فالنقل موجود ويكفي لتطبيقه ؟!
أو بما أننا حكمنا على هذا السياسي بأنه كاذب حسب معايير السياسية المبدئية ؟ 
جواب السؤال الأول هو أن الصراع كان واضحا بين عمار ومن خالفه كذلك كان ( المرجح ) أو التفاصيل متوفرة وواضحة فحق لنا اطلاق حكم البراءة . 

أما السؤال الثاني فجوابه أننا بوقتنا الحالي لا نملك جميع التفاصيل ولا معرفة الدافع الحقيقي لهذا السائس أو ذاك لاتخاذ موقفه فيكفي أن ننتقد ونسأل ونشكك دون القدرة على اصدار الأحكام الواقعيّة . 

فيتلخص لدينا أن السياسة الحالية هي عبارة عن سياسة مصالح تتخذ اسلوب الاحتواء والتكتل وبالحقيقة هي موقع شبهة , واصدار الأحكام فيها ممتنع لعدم توفر التفاصيل الكاملة ولا معرفة الظروف المحيطة بمن اتخذ موقف معيّن , وهذا يؤدي بنا الى امتلاك حق السؤال والانتقاد والتشكيك وبالتالي سوف تتكون لدينا ثقافة ( التظير ) .! 

لهذا الشعب الكويتي كلّه يعرف بالسياسة لأن كل فرد منا يمتلك معرفة تفصيل معيّن أو قرينة ( الاعلام - المعارف ) وكلما تعددت قرائن ومعرفة الفرد بتفاصيل أكثر كلما كان تنظيره أقرب للواقع لكنّه يبقى ( ليس الواقع بحقيقته ) .

ولهذا لا أتكلّم بالسياسة .  


****


هوامش : 


1- الطلقاء تطلق على من أسرهم النبي بعد فتح مكة وأطلقهم راجع ( المناقب الجزء الأول ص209 فصل غزواة النبي ) .
2- بحار الأنوار جزء 32 ص300.
3-  نهج البلاغة ص316 .
4- نهج البلاغة ص535 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق