- تمهيد -
ان كل ظالم يؤسس لفعله قواعد يستند عليها حتى تكون له حجّة في تبرير فعله لنفسه تارة وللآخرين تارة أخرى , وتجري المسألة كذلك عند أتباع هذا الظالم ومن ضمن القواعد التي أسس لها ظالمي الزهراء عليها افضل الصلاة والسلام هي قاعدة الحسن والقبيح الشرعيين باستقلالية تامة عن العقل , لقد أشرت في مقال سابق أن أساس تبرير أفعال عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وغيرهم من ظالمي الزهراء عليها السلام تمت عن طريق ( الغاء العدل الالهي ) من قائمة الاعتقاد أو بالأحرى أن الله عادل لكن دونما موازين ؟! .
ولكي نبيّن المسألة نقول ان العقل يدرك - يحكم - بحسن بعض الافعال وقبحها فالظلم قبيح عقلا والعدل حسن وهناك لفظين مقابلين للحسن والقبح وهو ما يطلق عليه علماء الاخلاق الخير والشر , فالحسن ( الخير ) والقبيح ( الشر ) يدركهما العقل دون أن يحتاج الانسان الى شرع يؤسس له ذلك بل ان الشرع نفسه ( أرشد ) اليه و ( أسس ) له في بعض المصاديق .
لكن العامة - أهل السنة بما يعرف اليوم - قالوا بأن الحسن والقبيح ليسا عقليان بل هما ( شرعيان ) أيّ أن الشارع المقدس - الاسلام - هو من يقول هذا حسن وذاك قبيح وليس العقل , فلا مدخليّة للعقل بذلك بل تجاوزوا وقالوا لو أن الله سبحانه وتعالى ألقى موسى في النار وفرعون في الجنة ( لا يسأل عما يفعل وهم يسالون ) الأنبياء / 23 وفسروا هذه الآية بهذا النحو الساذج من التفكير السطحي .
وما جعلهم يقولون بهذا الكلام - القاء موسى في النار وفرعون في الجنة - هو أن فعل الانسان ليس صادر منه بل من الله سبحانه وتعالى , فالعبد يعزم على الفعل ثم الله يخلقه وبالتالي عند الحساب يحق لله ان يلقي موسى في النار وفرعون في الجنة فهو من جعل موسى نبيا وهو من جعله يصلي ويصوم كذا الحال هو من جعل فرعون يظلم ويقول انا ربكم الاعلى ! , وما كان دور موسى وفرعون سوى العزم على الفعل أيّ القصد والنيّة !
وقبل الشروع في بيان الحسن والقبح ومن ثم الى ظلامات سيدة نساء العالمين نقول أن الحسن والقبح نوعان الأول حسن وقبح فعلي , والثاني فاعلي والفرق بينهما أن الحسن والقبح ( الفعليين ) بمعنى أن الافعال نفسها اما تكون حسنة أو قبيحة أما الفاعليين وهي أن القصد من وراء الفعل .
فالظلم قبيح ( فعلي ) والعدل حسن ( فعلي ) يدركهما العقل ويحكم بهما دون مدخليّة للقصد والنيّة أما الانسان ان فعل فعلا حسنا ويقصد به أمرا قبيحا فهنا يسمى قبح ( فاعلي ) أيّ القصد منه قبيح , ثم نقول أن الحسن والقبح أو الخير والشر يدركهما العقل فلا يحتاج الى شرع يقول له ذلك بدليل أن العقل أدرك وحكم أن الشرع ( عادل ) ومن هنا أتت الشرعيّة للشارع المقدس لا العكس , فنحن بمرتبة أولى وجب أن ندرك ونحكم ( عقلا ) بوجود الشرع .
ثم نقول أن الافعال كلها صادرة من العبد بقدرة واختيار وعزم وقصد وارادة , ولو قلنا كما يقول العامة بأن الانسان يعزم أيّ - يقصد وينوي - ثم الله يخلق الفعل فهذا مخالف للوجدان بأننا كثيرا ما نعزم ثم نتراجع ولو كان الامر كما قالوا لأجبرنا على الافعال وبالتالي لن نحاسب عليها .
الفائدة من هذا البحث وهذا التمهيد هو معرفة أصل التبريرات التي ساقوها لكي يجعلوا عتيق بن ابي قحافة وعمر بن الخطاب وغيرهم على صواب وغيرهم على خطأ , وكلنا سمع الجملة المتناقضة المشهورة " أن سيدنا معاوية قتل سيدنا عمار وكلاهما بالجنةّ " !
وكلنا قرأ الحديث في البخاري ومسلم " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم الى ( الله ) ويدعونه الى ( النار ) " ! بنفس الوقت كلاهما بالجنة ؟!
لماذا ؟
الجواب أنهم قالوا بما أن الشرع حكم بأن الصحابي فلان والصحابي فلان بالجنة فلو فعلا ما فعلا فهما بالجنة , حتى لو قتلا بعضهما حتى لو شربا الخمر وزنا وسرقا وكذبا المهم أنهما بالجنة , لأن أفعالهما خلقها الله والله حكم بأنهما في الجنة فهما بالجنة ,فلا مدخليّة للعقل نهائيا حيث ان الشرع هو المناط به تبيان الحسن والقبيح لا العقل , بالتالي أصبحت لديهم قاعدة واسعة لتبرير الافعال .
وهذه المسألة أيضا تجري بمن ظلم الزهراء سيدة نساء العالمين عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أفضل التحية والسلام كيف ؟ سوف نبيّنه بالمقالات القادمة وفي هذه أيضا , فنقول أنه ثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن عتيق الملقب بأبي بكر بن ابي قحافة وعمر بن الخطاب وغيرهم قد ظلموا الزهراء عليها السلام لكن العامة تمسكوا بأن الصحابي في الجنة بدليل الحسن والقبح الشرعيين المستقلين تماما عن العقل , وبهذا المنطق أسسوا لقاعدة عدالة الصحابة فحتى لو كان الامام علي عليه السلام على الحق ومعاوية على الباطل فكلاهما بالجنة !
لأن الشرع جعلهما عادلان فكيف بالعقل أن يسقط عدالة أحدهما ؟! فهم ضربوا بالعقل من الأساس وبموازينه كلها .
من هنا نفهم أن ( التبريرات ) التي ساقوها أساسها هذه القاعدة الساذجة - القول بالحسن والقبح الشرعي المستقل عن العقل تماما - وقد بيّنا كيف ننقضها بكل بساطة , فالعقل هو من يحكم بحسن الشرع فكيف يكون الشرع حاكما على العقل نفسه ؟ نعم المساحات تختلف وقد بيّنا في مقال سابق المساحات التي يتدخل بها العقل والشرع والمساحات المشتركة لكن هنا المسألة بحكم العقل للحسن والقبيح مقابل القول بالحسن والقبح الشرعيين باستقلالية تامة.
للحديث بقيّة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق