منذ استشهاد الامام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام والاماميّة تستذكر هذا المصاب الجلل ومنذ الغيبة المهدوية ونحن نعزي صاحب العصر والزمان الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف , ومنذ ذاك ونحن نقوم بواجب العزاء من منطلق ( افرحوا لفرحنا واحزنوا لحزننا ) ومع كل ذكرى عاشورية نبدأ باستذكار هذا المصاب الأليم وما يحمل من أهداف ومنهج اصلاحي غائب عن الانسانيّة ربما ليس كلها لكن أغلبها , هذا الحزن أو الجزع الذي نحن فيه سواء ظاهر أو تظاهر يحمل في طياته الكثير فأول ردة فعل لهذا الجزع يبدأ التساؤل لماذا ؟
لماذا هذا الجزع والامام الحسين عليه السلام قد توفي منذ أكثر من 1300 سنة هجرية ؟ هذا الجزع هدفه اثارة هذا السؤال وحث الانسان على الاجابة عليه ومع تعاظم الجزع يتبادر السؤال بقوة , ان هذا السؤال له أجوبة عدة لكن أساس اجابته هو أن نثير هذه القضيّة التزاما بما جاء به رسولنا صلى الله عليه واله وسلم و أئمتنا المعصومين عليهم السلام فهم حثونا وأمرونا بالبكاء والابكاء والجزع والتظاهر به على أبي عبدالله الحسين عليه السلام , من هذا المنطلق يأتي المسوّغ الشرعي الذي هو أساس انطلاقة حركتنا وقيامنا بواجب العزاء .
وننوه أننا لسنا في مقام الاستدلال على هذا الجزع كون المسألة ثابتة لا تحتاج الى سرد فكلامنا لا يقع مع منكر هذا الأمر من أساسه كون لا أساس له لانكار ذلك , المسألة أعمق من كونها رجل استشهد في حقبة زمنيّة وانتهى وهنا سوف نشير الى بحث مختصر وأحد جوانب وأهداف نهضة الامام الحسين عليه السلام من جانب علمي وتربوي صرف .
يقول علماء التربية أن عملية الاصلاح تنطلق من ثلاث أمور :
1- اليقظة
2- الضمير الحي
3- الوعي والفكر والثقافة
ان ما جاء به الامام الحسين عليه السلام هو الاصلاح وكلماته مشهورة عبر التاريخ " ما خرجت اشرا ولا بطرا انما خرجت للاصلاح في أمتي جدي " هذه الرسالة الاصلاحيّة وجب ان تحمل هذه المعاني الثلاث سواء في نفسها أو في غيرها , ولتطبيق هذا المنهج التربوية وجب أن نثبت أن استشهاد الامام الحسين عليه السلام حركة اصلاحيّة في نفسه وغيره .
واقع الأمة الاسلاميّة في عهد السلطة الأمويّة وعلى رأسها " ظالم , شارب للخمر , معلن بالفجور , قاتل النفس المحترمة " لم يكن واقعا يقظا ومتمسكا بدينه بل كان كما يصفه الامام الحسين عليه السلام " الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم " فالأمة الاسلاميّة في ذلك الوقت لم يكن لديها مانع من تولي خمار , قمار , قاتل , فاجر , ظالم ... عليها بل كانت خانعة قانعة بما حلّ بها , نسترسل قليلا في بيان حال الأمة فالامام علي بن ابي طالب عليهما السلام استلم زمام الحكم بعد تشتت وضياع الأمة وقتلها بعضها البعض والفساد منتشر في أنحاء الدولة الاسلاميّة , ومنذ أن تولى الامام وقامت عليه الحروب والجمل خير دليل على ذلك , قام معاوية وادعى القصاص لعثمان بن عفان وكانت معه ام المؤمنين عائشة بهذا الطلب فما كان رد الامام علي عليه السلام " انزلوا لأمري " وأنا اقتص من قتلة عثمان , لا أن تقوموا انتم بما هو عليّ , فأبت ام المؤمنين عائشة ومن بعدها معاوية بن ابي سفيان , وقامت حرب الجمل وقتل من المسلمين من قتل فمن كان مع الامام علي بن ابي طالب عليه السلام دخل الجنة ومن كان مع معاوية ذهب الى سقر . بعد ذلك أتت حربي صفين والنهروان , وانشقت جماعات من جيش الامام علي عليه السلام وهذا الانشقاق أتى نتيجة طبيعيّة لمبدأ القوم حيث انهم لم يكونوا يحبون الامام علي عليه السلام لكن بغضا في معاوية ..
هذا والانشقاقات توالت غير الأول الذي ترأسه صاحبنا بالشام وامنا في المدينة , انتهت المسألة باستشهاد الامام علي بن ابي طالب عليهما السلام , وأتى من بعده الامام الحسن عليه السلام ويرى أمة جده ممزقة , لكن مال اليه بعض المسلمين ومن ضمنهم قائد جيشه عبيدالله بن عباس الذي أغراه معاوية بالمال والجاه فمال عن الامام الحسن عليه السلام وذهب الى معاوية , وتوالت الانشقاقات على الامام الحسن عليه السلام الى أن صالح معاوية بشروط , وحتى هذا الصلح نكث فيه معاوية بشكل سافر عندما خطب بالمسلمين وقال كلمته المشهورة أن هذه الشروط " تحت قدمي " ؟!
ان من أسباب نشأة مثل هذا الصلح قول الامام الحسن عليه السلام " لو وجدت على هذا الأمر أربعين رجلا لهممت به " ؟! فالامام الحسن عليه السلام لم يجد معه أربعين رجلا , يأتي السؤال كيف ذلك وجيش الامام الحسن عليه السلام يتكون من 10 آلاف رجل ؟! ان الامام الحسن عليه السلام يقصد أمرا مهما وهو أن من يكون معي وجب ان يؤمن بأني امام منصب من الله سبحانه وتعالى لا لأسباب دنيوية قام , هذا الأمر ينسحب الى أمير المؤمنين عليه السلام عندما قال للناس " دعوني والتمسوا غيري " بعد أن قتلوا عثمان بن عفان وذهبوا للامام علي عليه السلام وقالوا له تولى زمام الحكم مع الالتفات الى أن طلحة والزبير عرضوا على الامام أن يولونه الحكم مع اعطائه اياهم مصر ؟! فرفض الامام علي بن ابي طالب عليهما السلام هذا الأمر كون الخلافة تأتي من الله سبحانه وتعالى لا من الناس , وهذا ما اضر الامام الى تبيانه عندما شهّد الناس على ما جرى في حادثة الغدير وذكرهم قول النبي صلى الله عليه واله وسلم " ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى , قال من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه " فقام وشهد جمع من الصحابة بهذا الأمر حتى استلم الامام علي عليه السلام زمام الخلافة .
فالامام الحسن عليه السلام لم يجد أربعين رجلا يؤمنون بأن الخلافة تكون من الله عز وجل ومن معه لا يفقهون هذا الأمر وهذا ما جعل بعض أصحابه يتكلم عليه بما لا يليق فيعتذر قسم ويكابر آخر .. وبعد اللتيا والتي يحوّل معاوية بن أبي سفيان العرف الذي وضعته السقيفة الى حكم وراثي الى الدعيّ ولده أو المنسوب اليه , وهنا وجب الالتفات الى أن معاوية عندما كان يمارس ظلمه وطغيانه كان يمارسه باسم الدين ووضع حوله بالمفهوم المتداول حاليا ( وعاظ السلاطين ) فكان يفعل ما يفعل بمسوغات شرعيّة آنذاك ؟! هذا الأمر جعل الناس تسكت عن أفعاله الجائرة والظالمة أما القسم المعارض فكان على صنفين اما يبغضه لأفعاله أو يبغضه لدينه والاثنين نالوا ما نالوا من القتل والتشريد والظلم .
بعد ذلك أتى يزيد الناصبي الدعي واستلم زمام الحكم وافتتح دولته بثلاث قتل الامام الحسين عليه السلام واباحة المدينة ثلاث أيام وضرب الكعبة المشرفة , وكان معلنا بالفسق والفجور وقاتل وظالم دون حتى أدنى مسوّغ شرعي أو حتى انساني , وهنا تبدأ رحلة الامام الحسين عليه السلام بأول مراحل الاصلاح وهي اليقظة , فقال كلمته " ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذيني " , فالناس مع علمهم بمقام الامام الحسين عليه السلام ولو من باب أنه " ابن بنت النبي " يكفي لأن يتعاطفوا معه لا على نحو أنه امام منصب من الله سبحانه وتعالى ولا على نحو قول النبي صلى الله عليه واله وسلم " الحسن والحسين امامان ان قاما أو قعدا " , فمقام الامام الحسين عليه السلام سوف يحقق صدمة وهزة في حكم بني أميّة وهذا ما تحقق ومن يقرأ ما جرى على الامام الحسين عليه السلام من باب استقراء واقعة كربلاء فقد يعلم ان الامام الحسين عليه السلام قد حقق هذه الصدمة الشديدة وجعل الناس يستيقطون من سباتهم العميق , بعد هذا وقد تحققت مرحلة الاصلاح الأولى في الامة الاسلاميّة تأتي مرحلة " الضمير الحي " وهذا ما أسس له الامام زين العبادين عليه السلام في منهجة " الدعائي " فاتخذ الدعاء وسيلة لاحياء الضمائر اليقظة وهو حقيقة أفضل وسيلة , ثم المرحلة الثالثة وهي الوعي والفكر والثقافة وهذا ما قام به الامامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام فالامامين كانا أساسا منهجا علميا متينا في شتى المجالات الفكرية المطلوبة بدا من قيمة الانسان حتى قيمة الحيوان والجماد , فمراحل العملية الاصلاحيّة تحققت من خلال ثلاث .. يقظة - ضمير - وعي وفكر وثقافة .
وهذه احدى الثمار التربويّة في نهضة الامام الحسين عليه السلام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق